زكريا القزويني

548

آثار البلاد واخبار العباد

وأربعمائة ليلة الاثنين الخامس من آب زلزلة هائلة ، وتتابعت إلى اليوم . سقط منها أبنية كثيرة ، وخسف هناك حصن وكنيسة حتى لم يبق لهما أثر ، وتبع من ذلك الخسف ماء حارّ كثير شديد الحرارة ، حتى غرق منه سبعون ضيعة ، وهرب خلق كثير من أهل تلك الضياع إلى رؤوس الجبال ، وبقي ذلك الماء على وجه الأرض تسعة أيّام ثمّ نضب . فاراب مدينة من بلاد ما وراء النهر . ينسب إليها الحكيم الأفضل أبو نصر بن طرخان الفارابي ، وهو أوّل حكيم نشأ في الإسلام . فهم كلام أرسطاطاليس ونقله إلى اللغة العربيّة ، وقد خصّه اللّه تعالى بمزيد فطانة حتى أحكم أنواع الحكمة حتى علم الموسيقى والكيمياء ، فكان يمشي في البلاد متنكّرا من خوف الملوك ، فإنّهم كانوا يطلبونه ، فإذا وصل إلى مدينة وأعجبته تلك المدينة سكنها مدّة ، ويشتري بها دارا وبستانا وجواري وعبيدا ، فإذا ملّ عنها زوّج الجواري من العبيد ووهب الأملاك لهم وفارقها ، ولا يرجع إليها أبدا . وكان معاصرا للصاحب بن عبّاد ، وزير مجد الدولة بن بويه ، وكان الصاحب شديد الطلب له ؛ حكي أن الصاحب أو غيره ظفر به ذات مرّة ، وقد عرفوه واحترموا جانبه وأبو نصر انبسط معهم ، وكان حاذقا بعلم الموسيقى فأخذ في بعض مجالسهم شيئا من الملاهي ، وضرب ضربا فضحك القوم كلّهم ، ثمّ ضرب ضربا فبكى القوم كلّهم ، ثمّ ضرب ضربا فنام القوم كلّهم ، ثمّ قام وفارقهم وهرب . وقيل : ان الصاحب بن عبّاد كان بالري ، فدخل عليه أبو نصر متنكّرا فما عرفه . وحكي أن أبا نصر كان في قفل يمشي في بلاد الشام ، فوقع عليهم اللصوص فسلّم إليهم ماله وخيله فأبوا إلّا قتله ، فنزل عن الدابّة وتستّر بالمجن ، وكان حاذقا في الرمي ، فقاتل حتى قتل في سنة أربعين وثلاثمائة .